وهبة الزحيلي
166
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
عَظِيمٌ ، وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ، فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [ النمل 27 / 22 - 24 ] . فأرسل اللّه عليهم سيل العرم ، أي المياه الكثيرة الغزيرة ، بأن تحطم سد مأرب ، فملأ الماء الوادي ، وغرّق البساتين الخضراء ثم يبست ، ودفن البيوت ، ولم يبق منهم إلا شراذم قليلة تفرقت في البلاد ، وأعطوا بدل تلك الجنان والبساتين المثمرة الأنيقة النضرة بساتين لا خير فيها ولا فائدة منها ، وإنما أشجار ذات ثمر مرّ هي الأراك ، وأثل هو الطرفاء ، والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل ، وهو شجر النبق . قال القشيري : وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستانا ، ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة ، وهو كقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى 42 / 40 ] . وسبب هذا العقاب كما قال تعالى : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا ، وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ أي إن ذلك التبديل من الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال الوارفة والأنهار الجارية إلى أشجار ذات أشواك وثمار مرة ، كان بسبب كفرهم وشركهم باللّه ، وتكذيبهم الحق ، وعدولهم عنه إلى الباطل ، لقد عاقبناهم بكفرهم ، ولا يعاقب اللّه إلا المبالغ في كفران النعم ، والكفر بالرسل . وبعد تعداد نعم اللّه على السابئيين في مساكنهم ، ذكر تعالى باقة أخرى من النعم أثناء تنقلهم في البلاد ، ومتاجرتهم مع بلاد الشام ، فقال : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً أي وجعلنا بين قراهم وقرى الشام التي باركنا فيها بالمياه والأشجار والخيرات الكثيرة قرى مرتفعة